ابن رشد

77

تهافت التهافت

الامتناع هو سلب الإمكان ، فإن كان الإمكان يستدعي موضوعا فإن الامتناع الذي هو سلب ذلك الإمكان يقتضي موضوعا أيضا ؛ مثل قولنا : إن وجود الخلاء ممتنع بأن وجود الأبعاد مفارقة ممتنع خارج الأجسام الطبيعية أو داخلها ونقول : إن الضدين ممتنع وجودهما في موضوع واحد . ونقول : إنه ممتنع أن يوجد الاثنان واحدا ، ومعنى ذلك في الوجود . وهذا كله بيّن بنفسه ، فلا معنى لاعتبار هذه المغالطة التي أتى بها هاهنا . قال أبو حامد : والثاني : إن السواد والبياض يقضي العقل فيهما قبل وجودهما بكونهما ممكنين فإن كان هذا الإمكان مضافا إلى الجسم الذي يطريان عليه حتى يقال معناه أن هذا الجسم يمكن أن يسود وأن يبيضّ ، فإذا ليس البياض في نفسه ممكنا ولا له نعت الإمكان وإنما الممكن الجسم والإمكان مضاف إليه فنقول : ما حكم نفس السواد في ذاته أو هو ممكن أو واجب أو ممتنع ولا بد من القول بأنه ممكن فدل أن العقل في القضية بالإمكان لا يفتقر إلى وضع ذات موجودة يضيف إليها الإمكان . قلت : هذه مغالطة ، فإن الممكن يقال على القابل وعلى المقبول ، والذي يقال على الموضوع يقابله الممتنع والذي يقال على المقبول يقابله الضروري . والذي يتصف بالإمكان الذي يقابله الممتنع ليس هو الذي يخرج من الإمكان إلى الفعل من جهة ما يخرج إلى الفعل ، لأنه إذا خرج ارتفع عنه الإمكان وإنما يتصف بالإمكان من جهة ما هو بالقوة ، والحامل لهذا الإمكان هو الموضوع الذي ينتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل ، وذلك بيّن من حد الممكن ، فإن الممكن هو المعدوم الذي يتهيأ أن يوجد وألا يوجد ، وهذا المعدوم الممكن ليس هو ممكنا من جهة ما هو معدوم ولا من جهة ما هو موجود بالفعل ، وإنما هو ممكن من جهة ما هو بالقوة ، ولهذا قالت المعتزلة إن المعدوم هو ذات ما ؛ أعني المعدوم في نفسه . من جهة ما هو بالقوة ، أعني أنه من جهة القوة والإمكان الذي له يلزم أن يكون ذاتا ما في نفسه فإن العدم ذات ما ، وذلك أن العدم يضاد الوجود وكل واحد منهما يخلف صاحبه ، فإذا ارتفع عدم شيء ما خلفه وجوده وإذا ارتفع وجوده خلفه عدمه . ولما كان نفس العدم ليس يمكن فيه أن ينقلب وجودا ولا نفس الوجود أن ينقلب عدما وجب أن يكون القابل لهما شيئا ثالثا غيرهما ، وهو الذي يتصف بالإمكان والتكون والانتقال من صفة العدم إلى صفة الوجود ، فإن العدم لا يتصف بالتكون والتغير ولا الشيء الكائن بالفعل أيضا يتصف بذلك ، لأن الكائن إذا صار بالفعل ارتفع عنه وصف التكون والتغير